روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

122

عرائس البيان في حقائق القرآن

فهذا تنبيه منه لإحاطة علمه القديم بكل ذرة من العرش إلى الثرى ظاهرها وباطنها ؛ حتى يفرغ المراقب الصادق من اطلاع الحق بوصف العظمة والكبرياء على نوادر الخطرات وبطون الحركات ، فإن كان خاطره بادرا من قهره سبحانه تستتر في جريانه في صخرة النفوس أو في سماء الأرواح أو في أرض القلوب ، يظهره الحق إلى عرصة العقل لعين السر ، فيحاسبه بذلك ، ويعرفه مكان نفعه وضره ؛ ليعرف صاحبه وصف جلال علمه كيف يحيط بأسرار الضمائر وبطون الخواطر ، ألا ترى إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) ! قال عبد العزيز المكي : مثال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ مجتمعة أو في سبع سماوات وأرضين متفرقة يأتي بها اللّه مجتمعة على صاحبها ؛ لأن اللّه لطيف خبير لطف أفعاله عن أن يدركه أحد بعقل . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 17 إلى 18 ] يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 18 ) قوله تعالى : وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ : الأمر بالمعروف أن ترشد الخليقة إلى الحقيقة بعد ما ذقت طعم القربة ، والنهى عن المنكر زجرك نفسك عن النظر إلى ما دون خالقها . وقوله تعالى : وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي : اصبر على طوارق القهر وامتحان الريب ، واسكن تحت جريان القضاء والقدر ؛ فإن ذلك من عزائم الحقيقة والمعرفة ، وأيضا : واصبر على ما أصابك من لطائف كشف جماله وحقائق أنوار ذاته وصفاته ، ولا تفش تلك الأسرار بالغلبة والسكر حين يظهر الشّطّاح السكران دعوى الأنائية ، فإن كتمانها من عزائم أهل الصحو في المعرفة . قيل : الأمر بالمعروف الدلالة على الرشد ، والنهي عن المنكر المنع عن الغي . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 19 ] وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 ) قوله تعالى : وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ : إن العارف إذا شرب من بحر الوحدانية شربة فرح بوجه الحق وكاد أن يتبختر بالعز والكبرياء من صولة الحال ، فيؤدبه اللّه بأن يلقي عليه عزة الوحدة ، فيفنيه تحت أنوارها حتى يخرجه من حد السكر إلى حد الصحو ؛ فتكون خطواته خطوات أهل التمكين لا خطوات أهل التلوين ، وكل مريد يشرب